ابن تيميه

56

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وقد يستحبّ للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره ، فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين . ولم ينقل عنه صلى اللّه عليه وسلّم أنه كان يودّعه . وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى مكة يستحب فيه الرمل أولا لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فعلوا ذلك في عمرتهم ، وفي حجة الوداع ، ولا يستحبّ ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم . وكذلك الاضطباع يستحب فيه عند الجمهور ؛ أبي حنيفة والشافعي وأحمد . وقال مالك : ليس بسنة . فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من سفر هو - واللّه أعلم - لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر ، كما أن طواف القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع ، وليس ذلك مشروعا لأهل مكة ، وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة ، إذ لا وداع في حقهم . فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع ، لكن أصل استحبابهم ما استحبوه من فعل ابن عمر . وقد احتجّ أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ اللّه عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام » رواه أبو داود وغيره ، وهو على شرط مسلم ، وفي رواته أبو صخر حميد بن زياد وهو مختلف فيه ، ضعّفه ابن معين ، ووافقه النسائي ، ومرة وثقه ، ووافقه أحمد « 1 » . فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر . وقد احتجّ أحمد وأبو داود وابن حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا . وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع . والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم ، وأنهم لم يتناقضوا حيث منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى غير المسجد ، لا للقبر وغيره . وأن السفر إلى غير الثلاثة منهيّ عنه ، وإن كان قد نذره ، فإن قوله : « لا تشدّ الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة » إذا كان متناولا بالإجماع السفر إلى سائر المساجد ، مع أنها أحبّ البقاع إلى اللّه ، فالسفر إلى المقابر أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة . وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره . وقال مالك والأكثرون ؛ قالوا : لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية . ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع ، بل يستحب الوفاء « 2 » . وقيل : يجب على قولين للشافعي ، والوجوب مذهب مالك وأحمد ، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة .

--> ( 1 ) وقد تقدم تخريج الحديث ، وانظر للكلام عليه « السلسلة الصحيحة » رقم ( 2266 ) . ( 2 ) انظر : « موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية » جمع وترتيب : عبد اللّه بن مبارك البوصي . ص 640 - وما بعدها .